الشيخ محمد علي طه الدرة

257

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

الأمر تأكيدا لما في الجملة السّابقة ، والغرض من ذلك إظهار كذب اليهود في فنّ آخر من أباطيلهم ، وافتراآتهم . إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ : انظر الآية رقم [ 91 ] فالإعراب لا يتغيّر ، والتقدير هنا : إن كنتم مؤمنين ؛ فتمنوا الموت . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 95 ] وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) الشرح : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أي : الموت ؛ لما يعلمون من مآلهم السّيئ ، وعاقبتهم عند اللّه الخاسرة . أَبَداً : الأبد : هو الزمان الطويل ، الذي ليس له حدّ ، فإذا قلت : لا أكلمك أبدا ، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر . بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي : بما فعلوا من الكفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتحريف التوراة ، ونسب إلى الأيدي جميع ما اقترفوه ؛ لأن أكثر الأعمال تزاول باليد ، عَلِيمٌ : صيغة مبالغة . ( الظالمين ) : الكافرين حيث ظلموا أنفسهم بالكفر ، وقال : بِالظَّالِمِينَ ولم يقل : بهم ؛ إقامة للظاهر مقام المضمر ، إشارة إلى أنهم غارقون بالظلم ، والفساد ، والطغيان ، وفيه وعيد ، وتهديد لا يخفيان . هذا ؛ والحكمة في الإتيان ب ( لَنْ ) بقوله : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا هنا وفي سورة الجمعة ب ( لا ) بقوله : وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً : أنّ ادّعاءهم هنا أعظم من ادّعائهم هناك ، فإنّهم ادعوا هنا اختصاصهم بالجنّة ، وهناك كونهم أولياء للّه من دون الناس ، فناسب هنا التوكيد ب ( لَنْ ) المفيدة للنفي في الحاضر ، والمستقبل ، وأما هناك فاكتفى بالنفي . وقال الزمخشري : لا فارق بين ( لا ) و ( لن ) في أنّ كل واحدة منهما نفي للمستقبل إلا أن في ( لن ) تأكيدا وتشديدا ليس في ( لا ) فأتى بلفظ التأكيد في وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أي في هذه الآية ، ومرّة بغير لفظه في سورة الجمعة في : وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً . قال الشيخ : هذا رجوع عن مذهبه - وهو أن « لن » تقتضي النفي على التأبيد - إلى مذهب الجماعة ، وهو أنّها لا تقتضيه . قلت : ليس فيه رجوع ، غاية ما فيه : أنه سكت عنه ، وتشريكه بين ( لا ) و ( لن ) في نفي المستقبل لا ينفي اختصاص ( لن ) بمعنى آخر . جمل . نقلا عن السّمين . الإعراب : وَلَنْ : الواو : حرف استئناف . ( لَنْ ) : حرف نفي ، ونصب ، واستقبال ، يَتَمَنَّوْهُ : فعل مضارع منصوب ب ( لَنْ ) وعلامة نصبه حذف النون ؛ لأنه من الأفعال الخمسة ، والواو فاعله ، والهاء مفعوله ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها . أَبَداً : ظرف زمان متعلق بالفعل قبله . بِما : جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما ، و ( ما ) تحتمل الموصولة ، والموصوفة ، والمصدرية ، والأول أقوى . قَدَّمَتْ : فعل ماض ، والتاء تاء للتأنيث . أَيْدِيهِمْ : فاعل مرفوع ، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل ، والهاء في محل جر بالإضافة ، والجملة الفعلية صلة ( ما ) أو صفتها ، والعائد أو الرابط محذوف ؛ إذ التقدير : بالذي ، أو بشيء قدمته أيديهم ، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء ، أي : بتقديم